7/28/2026

كيف أُزيلت المثلية الجنسية من قائمة الاضطرابات النفسية؟

 الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع.

قرأتُ سابقًا ادعاءاتٍ تقول إن إزالة المثلية الجنسية من دليل الاضطرابات النفسية حدثت فجأة، أو أنها جاءت نتيجة ضغط ما يُسمى بـ«اللوبي المثلي».

ويحمّل بعض الأشخاص كلمة «لوبي» دلالةً سلبية، وكأنها تعني شيئًا غير مشروع. لكن اللوبي، في جوهره، هو مجموعة تمارس نشاطًا سياسيًا أو مدنيًا منظمًا بهدف التأثير في السياسات أو القرارات لتحقيق هدف معين. تاريخياً، نادراً ما تتغير المفاهيم والمكاسب الحقوقية دون نضال حثيث وضغط مدني مستمر.

لذلك، فإن نشاط المثليين للمطالبة بإزالة المثلية من قائمة الاضطرابات النفسية ليس أمرًا معيبًا، بل كان الوسيلة الطبيعية المتاحة لهم للدفاع عن قضيتهم. فكل جماعة تتعرض للاضطهاد وتسعى إلى التغيير تحتاج إلى التنظيم والمطالبة بحقوقها. وإلغاء العبودية، وكذلك حركة الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة، لم يتحققا لأن هذه الحقوق مُنحت لهم طواعية، بل كانا ثمرة سنوات طويلة من النضال والعمل المنظم.

في عام 2020، صدر فيلم أمريكي يتناول نشاط المثليين خلال حملتهم لإزالة المثلية الجنسية من قائمة الاضطرابات النفسية. ويُظهر الفيلم أن هذا الجهد استمر سنوات، وكان محفوفًا بالمخاطر والتحديات، ولم يكن قرارًا اتُّخذ بين يوم وليلة.

وفيما يلي أستعرض التسلسل الزمني للأحداث كما عرضه الفيلم الوثائقي:

صدور الدليل التشخيصي الأول (DSM-I) — 1952

أصدرت الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين (APA) الطبعة الأولى من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وصنّفت المثلية الجنسية ضمن «اضطرابات الشخصية المعتلة اجتماعيًا». ولم يستند هذا التصنيف إلى دراسات علمية موثوقة أو محكّمة، بل إلى انطباعات سريرية مستمدة من حالات في السجون، أو أفراد أُجبروا على العلاج بأوامر قضائية، أو أشخاص كانوا يمرون بأزمات نفسية حادة. وقد شرعن هذا التصنيف التمييز القانوني والمؤسسي، وبرر استخدام «علاجات» قسرية مثل العلاج بالتنفير، والصدمات الكهربائية، وحتى الجراحات الدماغية.

صدور الدليل التشخيصي الثاني (DSM-II) — 1968

أصدرت الجمعية الطبعة الثانية من الدليل، ونقلت تصنيف المثلية إلى فئة «الانحراف الجنسي». وبنى أطباء ومحللون نفسيون بارزون، مثل إيرفينغ بيبر وتشارلز سوكاريدس، مسيراتهم المهنية وعياداتهم المربحة على ادعاء «علاج» المثليين، رغم عجزهم عن تقديم بيانات علمية تثبت نجاح هذه العلاجات على المدى الطويل. وكان الأطباء والمعلمون والموظفون المثليون يعيشون في رعب دائم من انكشاف هويتهم، إذ كان ذلك يعني فقدان تراخيصهم المهنية، ووظائفهم، ومكانتهم الاجتماعية فورًا.

مؤتمر سان فرانسيسكو — 1970

عقب انتفاضة «ستونوول» عام 1969، بدأ الناشطون بتنظيم احتجاجات واقتحامات مباشرة لتعطيل اجتماعات الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين. وخاطر ناشطون، مثل فرانك كاميني، الذي كان قد فُصل سابقًا من عمله الحكومي لمجرد كونه مثليًا، بالاعتقال، والفضيحة العلنية، والمواجهة العنيفة مع الشرطة. وأدركوا أن العرائض السلمية لن تُجدي نفعًا أمام مؤسسة تصنفهم على أنهم مرضى عقليًا.

مؤتمر واشنطن العاصمة — 1971

تسلل الناشطون إلى قاعة المؤتمر، واستولى فرانك كاميني على الميكروفون، قائلًا عبارته الشهيرة:

«لقد شنّ الطب النفسي حرب إبادة بلا رحمة ضدنا… ونحن نعلنها حربًا عليكم!»

وواجه الناشطون الأطباء النفسيين مباشرة، مشيرين إلى عدم وجود أي بيانات علمية تثبت أن المثلية مرض، وطالبوا بمنحهم مساحة رسمية في المؤتمرات المقبلة ليتحدثوا عن أنفسهم، بدلًا من أن يتحدث الآخرون عنهم.

مؤتمر دالاس — 1972

سمحت الجمعية بإقامة ندوة بعنوان: «الطب النفسي: صديق أم عدو للمثليين؟» بمشاركة الناشطة باربارا جيتينغز، وفرانك كاميني، وطبيب نفسي متخفٍ.

وافق الطبيب النفسي جون فراير على المشاركة، لكنه كان يعلم أن بيئة العمل معادية للمثليين إلى درجة أنه سيفقد عمله في جامعة تمبل فورًا إذا عُرفت هويته. لذلك ظهر بشخصية «د. هـ. مجهول» (Dr. H. Anonymous)، مرتديًا قناعًا مطاطيًا، وبدلة واسعة، ومستخدمًا جهازًا لتغيير صوته.

وأحدثت كلمته، التي كشف فيها عن وجود أكثر من مئة طبيب نفسي مثلي يحضرون المؤتمر بسرية تامة، صدمةً لدى الحضور، وجعلت الأطباء النفسيين يدركون أنهم يصنفون زملاءهم في المهنة على أنهم مرضى.

15 ديسمبر 1973

تحت الضغط المستمر، نسّق أحد قياديي الجمعية، الدكتور روبرت سبيتزر، مراجعةً علمية شاملة. كما قدم الناشطون، مثل تشارلز سيلفرشتاين، أبحاثًا علمية، من بينها دراسة إيفلين هوكر عام 1957، التي أظهرت أن الصحة النفسية للمثليين لا تختلف عن غيرهم.

واعترفت اللجنة بعدم وجود أي دليل علمي يبرر استمرار هذا التشخيص. وفي 15 ديسمبر، صوّت مجلس إدارة الجمعية بالإجماع على حذف تصنيف المثلية كمرض نفسي من الدليل (DSM-II).

استفتاء أبريل 1974

رفض المحللون النفسيون المحافظون قرار مجلس الإدارة، وأجبروا الجمعية على إجراء استفتاء عام عبر البريد لجميع أعضائها، الذين تجاوز عددهم 20 ألف طبيب.

وشنّ المدافعون عن «العلاج» حملة قوية للإبقاء على التصنيف، بينما وجّهت القيادات الإصلاحية والناشطون رسائل مباشرة إلى الأعضاء تؤكد أهمية الالتزام بالنزاهة العلمية. وفي النهاية، أُيّد قرار الإلغاء بنسبة 58% من أصوات المشاركين.

1987

كحلٍّ توفيقي في عامي 1973 و1974، أبقت الجمعية على تشخيص مؤقت سُمّي «المثلية غير المتوافقة مع الذات»، ويقصد به الأشخاص الذين يعانون ضائقة نفسية بسبب ميولهم الجنسية.

وفي عام 1987، ألغت الجمعية كل إشارة إلى المثلية في الطبعة المعدلة (DSM-III-R)، لتنتهي رسميًا عقود من الوصم الطبي.

الخاتمة

في النهاية، نلاحظ أن هذا الجهد استغرق نحو أربعة عشر عامًا، ولم يكن المثليون وحدهم من دافعوا عن قضيتهم، بل
كان لهم أيضًا حلفاء من داخل المؤسسة الطبية وخارجها. فغالبًا ما يصعب على أي حركة تمثل أقلية أو جماعة مهمشة أن تحقق تغييرًا واسعًا من دون وجود حلفاء من الأغلبية يدعمون مطالبها. ويمكن ملاحظة ذلك أيضًا في حركة الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة؛ إذ أسهم دعم كثير من البيض في تسريع تحقيق الإصلاحات، وإن كان نضال السود هو الأساس.

كما نلاحظ أن نسبة أعضاء الجمعية الذين عارضوا إزالة المثلية من قائمة الاضطرابات النفسية لم تكن ضئيلة، وهو أمر يعكس الثقافة السائدة آنذاك في الولايات المتحدة، حيث كانت المواقف الرافضة للمثلية منتشرة على نطاق واسع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

علق للحوار و ليس للجدال