صدر فيلم «عمارة يعقوبيان» عام 2006، وكان من أوائل الأفلام العربية التي شاهدتها وأنا مدرك مسبقًا حجم الجدل الذي أثارته عند صدورها، خصوصًا بسبب تضمينها لشخصية مثلية.
لا أعرف على وجه اليقين ما إذا كانت هذه الشخصية قد قُدمت بصورة أكثر تعقيدًا أو واقعية في الرواية الأصلية مقارنة بالفيلم، لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن المعالجة السينمائية كانت أكثر حذرًا بحكم طبيعة الإنتاج التجاري للفيلم، وحجم ميزانيته، ووجود نخبة من الممثلين الذين يصعب عليهم المجازفة بخسارة جزء من جمهورهم.
من قراءتي للفيلم، بدا لي أن العمل يحمل قدرًا كبيرًا من الحنين إلى مصر ما قبل ثورة 1952، أي إلى زمن الباشاوات والنظام الأرستقراطي. هذا الإحساس لا يظهر فقط في الخلفية التاريخية للأحداث، بل يتسلل إلى بناء الشخصيات وإلى الطريقة التي يصوَّر بها التحول الاجتماعي الذي شهدته البلاد.
يبدو الفيلم وكأنه يقدم صورة لمجتمع انقلب فيه الهرم الطبقي؛ فبعد أفول نفوذ الباشاوات، أصبحت القوى الجديدة المهيمنة تنتمي إلى طبقات كانت مهمشة سابقًا. وتُجسد «عمارة يعقوبيان» نفسها هذا التحول الرمزي. فمنذ البداية يخبرنا الراوي أن الفقراء يسكنون فوق سطح العمارة، في صورة يمكن قراءتها باعتبارها رمزًا لصعود الطبقات الدنيا فوق الطبقات الأرستقراطية التي كانت تقطن المبنى في الماضي.
وتعكس شخصية الحاج عزام هذا التحول من زاوية أخرى. فهو نموذج للثري الجديد الذي لم يرث مكانته الاجتماعية، بل صنع ثروته بنفسه عبر التجارة والنفوذ واستغلال الفرص. كما يصوره الفيلم كشخص يوظف الخطاب الديني لخدمة مصالحه الخاصة، بحيث يصبح الدين في عالم الفيلم إما أداة للنفاق الاجتماعي أو غطاءً للتطرف والعنف.
ضمن هذا السياق، يمكن قراءة شخصية حاتم رشيد بوصفها جزءًا من الرمز الأوسع الذي يطرحه الفيلم حول تحولات المجتمع. فحاتم ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطية القديمة، لكنه يبحث عن علاقة حميمة مع رجل فقير ينتمي إلى طبقة اجتماعية أدنى منه. ومن هنا يمكن التساؤل عما إذا كان الكاتب أراد أن يجعل هذه العلاقة تعبيرًا رمزيًا عن خضوع أبناء النخبة القديمة للتحولات الاجتماعية الجديدة التي أطاحت بمكانتهم السابقة.
ويزداد هذا التساؤل عند النظر إلى شخصية طه، الذي يتعرض للسجن والاغتصاب أثناء احتجازه. لماذا اختار الكاتب هذا الشكل تحديدًا من التعذيب؟ وهل أراد أن يمنحه دلالة تتجاوز مجرد العنف الجسدي؟ فمن الممكن قراءة ما حدث لطه باعتباره رمزًا للخضوع القسري، في مقابل خضوع يختاره حاتم بإرادته. وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية إذا أخذنا في الاعتبار أن كثيرًا من التصورات الشعبية في المنطقة تنظر إلى الطرف المتلقي في العلاقة المثلية بوصفه رمزًا للضعف والخضوع، لا باعتبار الأمر مجرد علاقة جنسية قائمة على التراضي.
أما زكي الدسوقي، فيبدو في النهاية وكأنه المنتصر الأكبر في عالم الفيلم. ففي منتصف الأحداث يتساءل عما إذا كانت حياته كانت ستختلف لو تزوج وأنجب أبناءً، وفي الخاتمة يحصل على فرصة جديدة لتحقيق ما فاته. يتزوج من بثينة، الفتاة الفقيرة التي عانت طوال الفيلم من الفقر والاستغلال والتحرش والإذلال الاجتماعي.
من هذا المنظور، لا تبدو النهاية انتصارًا للشخصيات الفقيرة بقدر ما تبدو تحقيقًا لرغبات رجال النخبة القديمة. فحتى الشخصية الفقيرة التي تبدو نهايتها سعيدة هي في الأساس وعاء لتحقيق رغبة باشا في نهاية حياته. يحصل زكي على الزواج من شابة يمكن ان ينجب منها فحصل على ما كان يخشى فقدانه، بينما تصبح بثينة الوسيلة التي تمكنه من تحقيق ذلك.
لهذا يمكن قراءة «عمارة يعقوبيان» ليس فقط كفيلم عن الفساد أو التحولات السياسية والاجتماعية، بل أيضًا كعمل يعبر عن حنين واضح إلى النظام الأرستقراطي القديم، وينظر إلى صعود الطبقات الجديدة بوصفه سببًا في الانحدار الأخلاقي والسياسي للمجتمع. وحتى عندما يمنح الفيلم بعض شخصياته الفقيرة نهايات تبدو سعيدة، فإنه يفعل ذلك ضمن إطار يعيد في النهاية تأكيد مركزية رغبات الباشاوات وأبناء النخبة القديمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
علق للحوار و ليس للجدال