مضت 16 عاماً من انتقالي إلى الولايات المتحدة، في وقت كانت قصص المثليين باللغة العربية و من داخل الدول الخليج بصوتهم تطفوا على محطات الإنترنت باستحياء.
عندما قررت اتخاذ خطوة اللجوء في عام 2013، لم يكن قراري مجرد فعل سياسي أو قانوني، بل كان نتيجة نهائية لمقدمات استقيتها من العالم حولي آنذاك. في ذلك الوقت، ما وجدته كان سردية أحادية “متحيزة”، لا تطل إلا على مشهد واحد مكرر: مشهد القطيعة الكاملة والمأساة الوشيكة.
كانت الرواية السائدة في الإعلام، وحتى في شبكات التواصل الرقمية القليلة، تصور أن “إعلان الهوية” هو انتحار اجتماعي حتمي. كنت أشوف وأقرأ قصصاً لأشخاص خسروا كل شيء، فصار “الخروج للعلن” بالنسبة لهم هو الفعل الوحيد المتبقي بعد أن احترقت كل الجسور خلفهم.
لم يكن هناك وجود لـ “المنطقة الرمادية”. لم أقرأ عن شخص واحد استطاع أن يوازن بين صدقه مع نفسه وبين بقائه داخل نسيجه العائلي. هذا الغياب في السرديات جعلني أعتقد أن المواجهة تعني بالضرورة خسارة الأهل للأبد، فحاولت جاداً أن أجهّز نفسي لتلك الحقيقة القاسية قبل أن تقع.
أحد أكبر التحديات التي واجهتني كان غياب “النموذج المستقر”. كنت أبحث عن مرجع يشرح لي كيف يمكن لمثليّ خليجي أن يعيش حياة مستقرة طويلة الأمد، لكن كل ما كان يصلني هو أخبار عن علاقات عابرة، أو حياة تُعاش في الظل وكأن المرء يمشي على قشر بيض.
لم أجد قصة لثنائي في الخمسين من عمرهما يعيشان حياة يومية هادئة، يخططان للمستقبل، ويحافظان على علاقة صحية مع محيطهما. غياب هذا النموذج خلق فجوة في خيالي؛ فإذا لم أكن أرى مستقبلاً مستقراً هناك، فكيف يمكنني البقاء؟
إن عدم وجود “دليل إرشادي” للحياة اليومية للمثليين في الخليج — بعيداً عن الدراما أو الملاحقات — هو ما دفع الكثيرين منا للشعور بأننا “حالات شاذة” لا مكان لها في هيكل المجتمع، بدلاً من كوننا بشراً عاديين نبحث عن الاستقرار.
وفي الوقت نفسه، كنت أشوف أن الحياة العادية المستقرة بين المثليين موجودة في أمريكا: لا توجد ملاحقة قانونية، وهناك علاقات عائلية وصداقات مع المجتمع، وتقبّل — ليس مثالياً — لكنه معقول.
بالنسبة لي، لم يكن الخيار يتعلق فقط بـ “الاعتراف”، بل بنوعية الحياة التي ستلي ذلك. العيش في بيئة حيث وجودك بحد ذاته غير قانوني، وحيث تظل حياتك مهددة بتطبيق القانون في أي لحظة، هو استنزاف نفسي مستمر.
أن تعيش حياة سرية بينما يمارس الجميع حياتهم بوضوح، وأن تظل محبوساً في خوف دائم من “اللحظة التي ينكشف فيها كل شيء”، هو استنزاف للروح.
في غياب أي مصدر يشرح كيف يمكن للمرء أن يدير “نصف الحقيقة” مع أهله ويحافظ على توازنه النفسي داخل البلاد، بدا اللجوء كأنه “صمام الأمان” الوحيد الذي يضمن لي الكرامة والأمان الجسدي.
اليوم، وبعد سنوات من الاستقرار في بلدي المختار، أجد نفسي أمام نوع جديد من التحديات النفسية. أنا ما يمكن تسميته بـ “الجيل الجسر”: الشخص الذي كسر القاعدة ولم يقطع العلاقة بالكامل، لكنه يعيش “نصف حقيقة”.
أهلي اليوم يعرفون، لكننا لا نتحدث. وكأن بيننا قاعدة غير مكتوبة: “لا تسأل ولا تُخبر” (Do not ask, do not tell)، وهي صيغة هشة لكنها تتيح استمرار العلاقة دون مواجهة مباشرة. يبدو أنهم اختاروا أن يروني كشخص “أعزب” لتجنب مواجهة الحقيقة الكاملة التي قد تضطرهم لاتخاذ موقف حاد.
أشعر أحياناً بالغبطة و الحزن عندما أقارن قصتي بقصص أشخاص من جنسيات أخرى، أو حتى خليجيين لم يختاروا طريق اللجوء. أرى من يسافر لبلده بحرية لأنه دخل وخرج بتأشيرة عمل، وأرى من يزور أهله بالجواز الأجنبي وكأن شيئاً لم يكن.
وعندما أنظر لهذه الفروقات، أدرك أنها لا تتعلق فقط بالاختيارات الشخصية، بل بسياقات مختلفة: أنظمة قانونية، نوع الإقامة، وإمكانية حمل أكثر من جنسية. أعرف خليجيين تعرّفت عليهم عبر الإنترنت يعيشون في كندا بتأشيرات عمل، وآخرين من دول عربية يحملون جنسيتين لا تمانع حكوماتهم ذلك، ما يمنحهم مرونة لا أملكها.
أما أنا، فما زلت محكوماً بلقاءات في “دول ثالثة”، حيث تكون الزيارة مخاطرة محسوبة بدقة. هذا “الظلم المركب” يجعلني أشعر بالوحدة في تجربتي، كلاجئ خليجي يحاول الحفاظ على خيط العائلة دون أن يحترق.
ليس من الضروري أن تكون “بطلاً” في الصراحة المطلقة إذا كان الثمن هو أمانك أو خسارة من تحب. “نصف الحقيقة” أحياناً هي الجسر الذي نبنيه لنبقى على قيد الحياة.
كنت ابحث و ما زالت اريد الاستقرار لا الدراما
و ليست في “إعلان الهوية” الصاخب، بل في قدرتي على بناء حياة يومية عادية.
لقد كانت رحلتي من الخليج إلى الولايات المتحدة رحلة بحث عن “الذات المستقرة”. قد لا أملك حتى الآن كل الإجابات، وقد تظل رؤية عائلتي في بلدي الأم حلماً مؤجلاً أو “كابوساً” في أحلامي.
نحن لا نحتاج لقصص الخسارات الكبرى لنتعلم، بل نحتاج لقصص عن “الثبات” في وجه الفقد، وعن حقنا في أن نكون جزءاً من عائلاتنا، حتى لو كان ذلك من وراء الحدود.
كلما زادت الحقيقة المنشورة في فضاء الإنترنت، زادت قدرة الأفراد على رؤية طرق مختلفة للعيش. كما أفادتني قصص الآخرين التي سمعت بها أو قرأت عنها، فإن انتشار هذه القصص لا يضيف فقط معرفة، بل يكشف تعقيد حياتنا كما هي.
بدلاً من الاكتفاء بالسرديات القليلة التي كانت متاحة قبل عشرين عاماً، يصبح لدينا طيف أوسع من الاحتمالات — ومساحة أصدق لفهم أنفسنا.
وربما لهذا، نحن بحاجة إلى المزيد من هذه القصص.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
علق للحوار و ليس للجدال