4/29/2026

لماذا مشاركة قصصنا بصوتنا مهمة لبعضنا البعض؟

 مضت 16 عاماً من انتقالي إلى الولايات المتحدة، في وقت كانت قصص المثليين باللغة العربية و من داخل الدول الخليج بصوتهم تطفوا على محطات الإنترنت باستحياء.


عندما قررت اتخاذ خطوة اللجوء في عام 2013، لم يكن قراري مجرد فعل سياسي أو قانوني، بل كان نتيجة نهائية لمقدمات استقيتها من العالم حولي آنذاك. في ذلك الوقت، ما وجدته كان سردية أحادية “متحيزة”، لا تطل إلا على مشهد واحد مكرر: مشهد القطيعة الكاملة والمأساة الوشيكة.


كانت الرواية السائدة في الإعلام، وحتى في شبكات التواصل الرقمية القليلة، تصور أن “إعلان الهوية” هو انتحار اجتماعي حتمي. كنت أشوف وأقرأ قصصاً لأشخاص خسروا كل شيء، فصار “الخروج للعلن” بالنسبة لهم هو الفعل الوحيد المتبقي بعد أن احترقت كل الجسور خلفهم.


لم يكن هناك وجود لـ “المنطقة الرمادية”. لم أقرأ عن شخص واحد استطاع أن يوازن بين صدقه مع نفسه وبين بقائه داخل نسيجه العائلي. هذا الغياب في السرديات جعلني أعتقد أن المواجهة تعني بالضرورة خسارة الأهل للأبد، فحاولت جاداً أن أجهّز نفسي لتلك الحقيقة القاسية قبل أن تقع.


أحد أكبر التحديات التي واجهتني كان غياب “النموذج المستقر”. كنت أبحث عن مرجع يشرح لي كيف يمكن لمثليّ خليجي أن يعيش حياة مستقرة طويلة الأمد، لكن كل ما كان يصلني هو أخبار عن علاقات عابرة، أو حياة تُعاش في الظل وكأن المرء يمشي على قشر بيض.


لم أجد قصة لثنائي في الخمسين من عمرهما يعيشان حياة يومية هادئة، يخططان للمستقبل، ويحافظان على علاقة صحية مع محيطهما. غياب هذا النموذج خلق فجوة في خيالي؛ فإذا لم أكن أرى مستقبلاً مستقراً هناك، فكيف يمكنني البقاء؟


إن عدم وجود “دليل إرشادي” للحياة اليومية للمثليين في الخليج — بعيداً عن الدراما أو الملاحقات — هو ما دفع الكثيرين منا للشعور بأننا “حالات شاذة” لا مكان لها في هيكل المجتمع، بدلاً من كوننا بشراً عاديين نبحث عن الاستقرار.


وفي الوقت نفسه، كنت أشوف أن الحياة العادية المستقرة بين المثليين موجودة في أمريكا: لا توجد ملاحقة قانونية، وهناك علاقات عائلية وصداقات مع المجتمع، وتقبّل — ليس مثالياً — لكنه معقول.


بالنسبة لي، لم يكن الخيار يتعلق فقط بـ “الاعتراف”، بل بنوعية الحياة التي ستلي ذلك. العيش في بيئة حيث وجودك بحد ذاته غير قانوني، وحيث تظل حياتك مهددة بتطبيق القانون في أي لحظة، هو استنزاف نفسي مستمر.


أن تعيش حياة سرية بينما يمارس الجميع حياتهم بوضوح، وأن تظل محبوساً في خوف دائم من “اللحظة التي ينكشف فيها كل شيء”، هو استنزاف للروح.


في غياب أي مصدر يشرح كيف يمكن للمرء أن يدير “نصف الحقيقة” مع أهله ويحافظ على توازنه النفسي داخل البلاد، بدا اللجوء كأنه “صمام الأمان” الوحيد الذي يضمن لي الكرامة والأمان الجسدي.


اليوم، وبعد سنوات من الاستقرار في بلدي المختار، أجد نفسي أمام نوع جديد من التحديات النفسية. أنا ما يمكن تسميته بـ “الجيل الجسر”: الشخص الذي كسر القاعدة ولم يقطع العلاقة بالكامل، لكنه يعيش “نصف حقيقة”.


أهلي اليوم يعرفون، لكننا لا نتحدث. وكأن بيننا قاعدة غير مكتوبة: “لا تسأل ولا تُخبر” (Do not ask, do not tell)، وهي صيغة هشة لكنها تتيح استمرار العلاقة دون مواجهة مباشرة. يبدو أنهم اختاروا أن يروني كشخص “أعزب” لتجنب مواجهة الحقيقة الكاملة التي قد تضطرهم لاتخاذ موقف حاد.


أشعر أحياناً بالغبطة و الحزن عندما أقارن قصتي بقصص أشخاص من جنسيات أخرى، أو حتى خليجيين لم يختاروا طريق اللجوء. أرى من يسافر لبلده بحرية لأنه دخل وخرج بتأشيرة عمل، وأرى من يزور أهله بالجواز الأجنبي وكأن شيئاً لم يكن.





وعندما أنظر لهذه الفروقات، أدرك أنها لا تتعلق فقط بالاختيارات الشخصية، بل بسياقات مختلفة: أنظمة قانونية، نوع الإقامة، وإمكانية حمل أكثر من جنسية. أعرف خليجيين تعرّفت عليهم عبر الإنترنت يعيشون في كندا بتأشيرات عمل، وآخرين من دول عربية يحملون جنسيتين لا تمانع حكوماتهم ذلك، ما يمنحهم مرونة لا أملكها.


أما أنا، فما زلت محكوماً بلقاءات في “دول ثالثة”، حيث تكون الزيارة مخاطرة محسوبة بدقة. هذا “الظلم المركب” يجعلني أشعر بالوحدة في تجربتي، كلاجئ خليجي يحاول الحفاظ على خيط العائلة دون أن يحترق.


ليس من الضروري أن تكون “بطلاً” في الصراحة المطلقة إذا كان الثمن هو أمانك أو خسارة من تحب. “نصف الحقيقة” أحياناً هي الجسر الذي نبنيه لنبقى على قيد الحياة.


كنت ابحث و ما زالت اريد  الاستقرار لا الدراما

و ليست في “إعلان الهوية” الصاخب، بل في قدرتي على بناء حياة يومية عادية.


لقد كانت رحلتي من الخليج إلى الولايات المتحدة رحلة بحث عن “الذات المستقرة”. قد لا أملك حتى الآن كل الإجابات، وقد تظل رؤية عائلتي في بلدي الأم حلماً مؤجلاً أو “كابوساً” في أحلامي. 


نحن لا نحتاج لقصص الخسارات الكبرى لنتعلم، بل نحتاج لقصص عن “الثبات” في وجه الفقد، وعن حقنا في أن نكون جزءاً من عائلاتنا، حتى لو كان ذلك من وراء الحدود.


كلما زادت الحقيقة المنشورة في فضاء الإنترنت، زادت قدرة الأفراد على رؤية طرق مختلفة للعيش. كما أفادتني قصص الآخرين التي سمعت بها أو قرأت عنها، فإن انتشار هذه القصص لا يضيف فقط معرفة، بل يكشف تعقيد حياتنا كما هي.


بدلاً من الاكتفاء بالسرديات القليلة التي كانت متاحة قبل عشرين عاماً، يصبح لدينا طيف أوسع من الاحتمالات — ومساحة أصدق لفهم أنفسنا.

وربما لهذا، نحن بحاجة إلى المزيد من هذه القصص.

9/02/2024

هل المراقبة الإعلامية على المثلية تستطيع منع المثلية من الانتشار؟

 سنوات البراءة


مع زيادة الحديث عن المثلية، سواء من خلال المطالبة بالحقوق أو من خلال إبراز المثليينبشكل أكبر في الإنتاجات الفنية، زادت الادعاءات بأن هذا النوع من التعرض لعب دورًا في انتشارالمثلية.


لذلك، أردت مشاركة تجربتي الشخصية كفرد نشأ في التسعينيات، في وقت كانت فيه المراقبةالإعلامية على المثلية أسهل.


كنت في الصف الثالث الابتدائي عندما شعرت بأول انجذاب بسيط لرجلكان الانجذاب البسيطتجاه أستاذ الرياضياتلكن الانجذاب الحقيقي والأقوى بالنسبة لي حصل في السنة التالية،عندما كنت في الصف الرابع الابتدائيمع مرور السنة، بدأت أنجذب لأستاذ العلومكنت أفرحعندما يلفت انتباهه لي، وكنت أفرح أكثر عندما أسمع منه مدحًا على أدائي الدراسيوأثناءالفسحة، عندما كان في ساحة المدرسة لمراقبة الطلاب، كنت دائمًا أتابعه بعيني وكأنني أردتمنه أن ينظر ناحيتي.

 

هذا الانجذاب كان يفتقر إلى أي طبيعة جنسية.


نشأت في السعودية في بداية التسعينياتفي تلك المرحلة، لم أكن على دراية بمفهوم الجنسكنت أعتقد أن الأطفال يولدون بمشيئة الله، وأنه عندما يتزوج رجل من امرأة، يقرر الله بمشيئتهأن تحمل المرأة


في الابتدائية، كان انجذابي منحصرًا على المدرسينأستطيع القول إن ثلاثة مدرسين فقط كانوايثيرون اهتمامي أكثر من الآخرين، بالرغم من وجود مدرسين لطيفين آخرين، لكن لم أكنأنجذب لكل مدرس لطيف.


كان أول انجذاب لي نحو ولد مقارب لعمري عندما كنت في الصف الثاني متوسطلم يكن هذاالولد زميلي أو صديقي، بل كان مجرد ولد يركب في نفس الميكروباص الذي كنت أركبه يوميًالم يكن له شعبية كبيرة ولم يكن طالبًا مميزًا، لكنه لم يكن ولدًا بغيضًا.


في فترة نهاية الابتدائي، أدركت رغباتي الجنسيةوعرفت عن الجنس والحملكانت معرفتيبالجنس منحصرة على الجنس المغاير، وتعلمت أنه هو الجنس الطبيعيأما الجنس المثلي،الذي عرفت عنه، فكان مرتبطًا في ذهني بالتحرش الجنسي بالأولادكان لدي تصور بأن الرجلالذي يبحث عن مضاجعة الأولاد هو "الخنيث"، وليس أي أولاد، بل الأولاد الذين يشبهونالبنات شكلًا، ما يسمى في الكتب الدينية الإسلامية بـ"الغلام الأمرد".


في تلك الفترة، أصبحت أتخيل القرب الجسدي بيني وبين الرجال، لكن لم أكن أسمح لنفسيبالدخول في أي تخيلات تتعلق بالسلوكيات الجنسية المتعارف عليهالم يكن لدي أي فكرة عنكيفية ممارسة الجنس بين رجل ورجل أو حتى تصور جنس بين رجل وغلام، سوى أنه يكوناعتداءً واغتصابًا.


كان اطلاعي الوحيد على الجنس هو ما كنت أراه من مشاهد بين رجل وامرأة على الفضائياتالعربية.


حتى العادة السرية في تلك الفترة لم أكن أمارسها؛ لأنني تعلمت أن اللعب بالقضيب عيب، ولايقوم به إلا الأولاد "الصايعةالذين كنت أراهم في المدرسةوفي تلك المرحلة، سمعت منالمشايخ وحتى من بعض المدرسين أن العادة السرية حرام.


عندما دخلت الصف الأول ثانوي، وصلنا في مادة الفقه إلى درس "حكم اللواط". كان درسًامشوشًا ليكنت أحاول أن أفهمهل ما أفكر فيه ينطبق عليه حكم اللواط أم لا؟بدأت أفكرأكثر في مشاعري التي كنت أحس بهاكنت أعتقد من قبل ذلك أن المشاعر التي أحس بهاوالانجذاب الذي كنت أعيشه يعتبر شيئًا طبيعيًا، وأنني لست الوحيد من الأولاد الذي يمر بهذهالمشاعرصحيح أنه لم يخبرني أحد بأنه يمر بنفس المشاعر، إلا أنني كنت أتوقع أن هذهالمشاعر من الأمور المتعارف عليها التي لا يتم الحديث عنها بين الأولاد.


نشأت في بيئة لا تشجع الأولاد على إظهار أي مشاعر ضعفحتى عندما كنت صغيرًا، كنت أناوإخوتي نحسب عدد المرات التي بكى فيها كل منا خلال السنة.


كنت أرى أن ما أشعر به هو مشاعر ضعف، لأن لا أحد يشارك فيها أو يعترف بها.


الصراع الداخلي الذي كنت أشعر به بعد هذا الفصل كان له أثر كبير على بداية كرهي لميوليالمثليةأذكر أنه في أحد الأيام، كنت أفكر في الموضوع بيني وبين نفسي في طريقي إلى البيتمن البقالة التي كنت منجذبًا لصاحبهاقلت لنفسي: "إلى متى سأستمر في هذا النوع منالانجذاب؟كنت أتوقع أن هذا الانجذاب عبارة عن شيء بريء يمر به الأولاد في مرحلة الطفولةويختفي مع الزمن. لكن متى؟. كنت أحاول طمأنة نفسي بأن هذا الانجذاب سيختفي قريباً. لكنه لم يختفي كما تشهد هذه السطور.