في كتاب مذكرات سارا غلاس، المنشور عام 2024 بعنوان تقبيل الفتيات يوم السبت، تتحدث الكاتبة عن تجربتها الجنسية والعاطفية في سياق نشأتها داخل بيئة يهودية أصولية ومنغلقة في الولايات المتحدة خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
تتحدث غلاس، في أحد أجزاء الكتاب، عن زواجها الثاني وعن العلاقة الحميمة والمحبة
التي جمعتها بزوجها، وتصف تلك العلاقة بأسلوب رومانسي جعلني أتساءل : هل هي امرأة تنجذب إلى الرجال والنساء على حد سواء؟ لكن مع تقدم الكتاب، تتوسع الكاتبة في الحديث عن علاقتها بزوجها، وكيف بدأت تشعر بعدم الاكتفاء على المستوى الجنسي والعاطفي، رغم وجود المحبة بينهما. ومع مرور الوقت، أصبحت تلجأ في فترات الضغط والأزمات إلى تخيل وجودها مع امرأة أخرى، وكأن هذه التخيلات تمنحها وسيلة للهروب أو التخفيف عن نفسها.
وخلال إحدى جلسات العلاج النفسي، سألتها معالجتها سؤالاً بدا لها صادماً: هل سبق أن تخيلتِ نفسك في موقف حميمي مع رجل آخر، أو حلمتِ بأن تكوني مع رجل؟ تقول الكاتبة إن السؤال جعلها تدرك شيئاً لم تكن قد انتبهت إليه من قبل: فعندما استعرضت خيالاتها العاطفية والجنسية طوال حياتها، وجدت أنها كانت دائماً تتجه نحو النساء.
في نهاية المطاف، تنفصل غلاس عن زوجها، رغم أن الحياة معه كانت مريحة ومستقرة من جوانب كثيرة تتجاوز الحب والجنس. وهنا تكمن بالنسبة لي أهمية هذه القصة: لأنها قصة معاصرة، ولأن الكاتبة نفسها تشارك القارئ مشاعرها الداخلية وخيالاتها وتجربتها العاطفية، أصبح بإمكاننا تكوين صورة أكثر وضوحاً عن ميولها الجنسية والعاطفية.
لكن هذا الأمر يختلف جذرياً عندما نحاول فهم الشخصيات التاريخية.
فالتاريخ لا يتيح لنا العودة إلى الأشخاص الذين عاشوا في الماضي وسؤالهم مباشرة: ما طبيعة خيالاتكم العاطفية والجنسية؟ من الأشخاص الذين كنتم تنجذبون إليهم؟ ما طبيعة العلاقة التي كانت تجمعكم بالشخص الذي تتغزلون به؟ ماذا كانت تعني لكم تعبيرات المودة التي ظهرت بينكما؟ ماذا كان يعني أن تعيشا معاً لسنوات؟ وماذا كان يعني أن يتم تصوير أحدكما مع الآخر بهذه الطريقة؟ وإذا كان شخصان ينامان في السرير نفسه، فهل كان ذلك مجرد ترتيب عملي للنوم، أم كانت هناك علاقة أخرى وراء ذلك؟
وبالمثل، عندما نجد رجلاً أو امرأة متزوجاً من الجنس الآخر، كيف يمكننا تفسير ذلك؟ هل كان الزواج نتيجة الحب والانجذاب؟ أم نتيجة ضغط اجتماعي؟ أم لأن الشخص كان بالفعل يملك ميلاً إلى الجنس الآخر؟ أم أن الزواج كان ببساطة الطريق الطبيعي والمتاح اجتماعياً في ذلك العصر، بصرف النظر عن رغباته الشخصية؟
هذه الأسئلة مهمة لأننا كثيراً ما نحاول قراءة العلاقات التاريخية من خلال ما تبقى لنا من الوثائق: رسائل، قصائد، صور، مذكرات، أو روايات عن أشخاص عاشوا معاً. لكن هذه الأدلة لا تخبرنا دائماً بما نحتاج إلى معرفته لكي نحدد الهوية الجنسية بمفهومها الحديث.
قرأت واطلعت على العديد من الكتب والأفلام والمنشورات التي تحاول فهم طبيعة العلاقات بين أفراد من الجنس نفسه في الماضي، لكنني غالباً ما أجد صعوبة في إسقاط هذه العلاقات مباشرة على ما سعت إليه حركة حقوق المثليين في النصف الثاني من القرن العشرين.
فوجود علاقات جنسية أو عاطفية بين أفراد من الجنس نفسه في الماضي أمر لا يمكن إنكاره. لكن نادراً ما أجد في السجل التاريخي حالة أستطيع أن أقول عنها بثقة إنها تشبه النموذج الذي أصبح ممكناً للمثليين في المجتمعات التي تعترف بحقوقهم اليوم.
نجد، على سبيل المثال، رجالاً كانت لهم علاقات مع رجال آخرين، لكنهم كانوا أيضاً متزوجين من نساء ولديهم أطفال. ونجد أشخاصاً كانت لهم علاقات مع أفراد من الجنس نفسه في مرحلة من حياتهم ثم تزوجوا لاحقاً من الجنس الآخر. كما نجد علاقات طويلة أو عميقة بين أفراد من الجنس نفسه، لكننا لا نملك دائماً المعلومات الكافية لمعرفة طبيعة هذه العلاقات أو معناها بالنسبة إلى الأشخاص أنفسهم.
وهنا أعتقد أن علينا التفريق بين أمرين: وجود السلوك المثلي في التاريخ، ووجود الهوية المثلية بمعناها الحديث.
فالسلوك والعلاقات الجنسية بين أفراد من الجنس نفسه ليستا ظاهرة جديدة. الجديد نسبياً هو ظهور مفهوم الهوية المثلية باعتبارها هوية شخصية واجتماعية يمكن أن يعرّف الفرد نفسه من خلالها، وما يترتب على ذلك من أفكار ومطالب اجتماعية وقانونية. حيث لا تقتصر الهوية الحديثة على ممارسة الفعل، بل تتحول إلى إطار متكامل لبناء حياة واضحة، وعلنية، ومستقرة.
ومن هذه الأفكار أن يكون الانجذاب إلى أفراد من الجنس نفسه جزءاً مستقراً من هوية الإنسان، وأن تكون لديه الرغبة في بناء علاقة عاطفية طويلة الأمد مع شريك من الجنس نفسه، وأن يكون شريك الحياة من الجنس نفسه، وألا يُجبر على الزواج من الجنس الآخر لمجرد تلبية توقعات الأسرة أو المجتمع.
كما تتضمن هذه الرؤية الرغبة في ألا تكون العلاقة سرية، وألا يُنظر إليها باعتبارها أقل قيمة أو شرعية من العلاقة بين شخصين من جنسين مختلفين.
وهذا، في رأيي، هو أحد أهم أوجه الاختلاف بين العلاقات المثلية التي نستطيع العثور عليها في التاريخ وبين مفهوم حقوق المثليين كما تطور في العصر الحديث. فالمسألة لم تعد فقط: هل مارس شخص ما الجنس مع شخص من الجنس نفسه؟
بل أصبحت الأسئلة أيضاً: هل يريد هذا الشخص أن يعيش مع شريك من الجنس نفسه؟ هل يريد أن يكون هذا الشخص شريك حياته؟ هل يريد أن يعترف المجتمع بعلاقته؟ وهل يريد أن يعيش حياته دون أن يُجبر قانونياً أو اجتماعياً على الزواج من الجنس الآخر؟
وفي الوقت نفسه، أعتقد أن الهدف من حقوق مجتمع الميم الحديثة ليس بالضرورة وضع جميع الناس في قالب واحد، أو افتراض أن كل شخص يجب أن يعيش وفق نموذج محدد للعلاقات. على العكس، أحد المبادئ الأساسية هو أن العلاقات العاطفية والجنسية بين البالغين ينبغي أن تظل شأناً شخصياً.
فالإنسان لا ينبغي أن يُجبر على نمط معين من الحياة العاطفية بقوة القانون لمجرد أن المجتمع اعتاد على اعتباره النموذج الطبيعي أو المقبول.
وفي النهاية، يمكن اختصار المبدأ في فكرة بسيطة: العلاقة بين شخصين بالغين، ما دامت قائمة على الرضا ولا تنطوي على أذى مباشر للآخرين، ينبغي ألا تُجرَّم أو تُفرض عليها قيود لمجرد أن أطرافها من الجنس نفسه.
عنونت هذا المقال بـ «الحي أولى من الميت»؛ لأنني حين بحثت عمّن يشبهني في تجربتي، لم أجد ضالتي في كتب التاريخ أو قصص الماضي الغامضة. ما منحني السلام الداخلي، وأخرجني من عزلة التجربة، كان الاستماع إلى أشخاص يعيشون في زماني، وقراءة تجاربهم والتعرّف إلى قصصهم.
ولم أقتصر في بحثي عن أشخاص يشبهونني من أبناء ثقافتي، فقد كان لدي منذ الصغر فضول تجاه الثقافات الأخرى، ولم أكن مرتاحًا لفكرة إلغاء الجانب الإنساني المشترك بيني وبين الشعوب المختلفة.
بل إنني أعتقد اليوم أن الأشخاص الذين يقتربون مني في الزمان والمكان قد يكونون أقدر على فهم تجربتي من أشخاص تفصلني عنهم قرون من التاريخ،
ومن هنا، أرى أن علينا أن نمنح البشر الذين يعيشون بيننا اليوم، ويحملون تجارب ومشاعر وصراعات معاصرة، قدرًا أكبر من الاهتمام والاحترام، بدلًا من أن نمنح أفكار الماضي وتقاليده مكانة تفوق ما نمنحه للإنسان الحي. فالأفكار والتقاليد، مهما بلغت مكانتها في التاريخ، لا ينبغي أن تصبح أهم من البشر الذين ما زالوا يعيشون بيننا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
علق للحوار و ليس للجدال