10/06/2026

كيف تحررت حقوق المثليين في كوبا دون الحاجة إلى التدخل السياسي الغربي؟

في السياق السياسي الحالي، أصبحت حقوق المثليين في كثير من الأحيان ورقة سياسية تُستخدم لإثبات أن أيديولوجية ما جيدة أو سيئة، أو أن نظامًا سياسيًا أكثر تقدمًا من نظام آخر. فروسيا، على سبيل المثال، تستخدم قضية حقوق المثليين في خطابها السياسي لتأكيد اختلافها عن الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية، بينما تستخدم بعض الجهات السياسية الغربية أو المنظمات الحقوقية أوضاع المثليين في دول معينة ضمن نقدها لهذه الأنظمة والتشكيك في شرعيتها.

لكن هناك سؤالًا آخر يستحق التأمل: هل حقوق المثليين مرتبطة فعلًا بالنموذج السياسي أو الاقتصادي الغربي؟

تقدم كوبا مثالًا مثيرًا للاهتمام.

فكوبا ليست دولة غربية، ولا تتبنى النظام الرأسمالي الغربي، بل إنها دولة اشتراكية ذات تاريخ طويل من الصراع السياسي والأيديولوجي مع الولايات المتحدة وحلفائها. ومع ذلك، شهدت خلال العقود الأخيرة تحولًا كبيرًا في مجال حقوق المثليين. وفي عام 2022 أقرّت قانونًا جديدًا للأسرة بتصويت من الناخبين اعترف بالأزواج المثليين وبالأسر التي يشكلونها ومنحها حقوقًا قانونية متساوية.

المفارقة هنا مهمة: إذا كانت حقوق المثليين مجرد امتداد للنموذج السياسي الغربي، فكيف يمكن لدولة اشتراكية في حالة صراع تاريخي مع الولايات المتحدة والغرب أن تتبنى مثل هذه الحقوق؟

والأهم أن كوبا ليست حالة معزولة.

وفيتنام تقدم مثالًا مختلفًا ولكنه مهم أيضًا. فهي دولة شيوعية ذات نظام الحزب الواحد، ومع ذلك اتجهت خلال السنوات الماضية إلى تخفيف القيود القانونية المتعلقة بالمثليين. فقد ألغت الغرامات على إقامة مراسم زواج المثليين، ثم أزالت الحظر على هذه المراسم، وإن كانت لا تزال لا تعترف بالزواج المثلي باعتباره زواجًا قانونيًا.

هذه الأمثلة لا تعني أن الأنظمة الاشتراكية أو غير الغربية أصبحت بالضرورة أكثر تقدمًا من الدول الغربية في مجال حقوق المثليين، لكنها تكشف شيئًا أكثر تحديدًا: لا توجد علاقة ضرورية بين تبنّي حقوق المثليين وبين الانتماء إلى المعسكر السياسي أو الاقتصادي الغربي.

حقوق المثليين لم تتقدم فقط في الغرب خلال العقود الأخيرة، كما يوحي الخطاب الذي يستخدم المثليين ورقةً سياسية أو يصوّر حقوقهم باعتبارها مشروعًا غربيًا. فقد شهدت هذه الحقوق تحسنًا في مجتمعات وثقافات وأنظمة سياسية مختلفة حول العالم. لان بعض الدول أدركت أن التصور الصارم للهوية الجنسية بوصفها ثنائيةً لا تتجاوز الذكر والأنثى، إلى جانب تجريم العلاقات المثلية، لم يكن دائمًا جزءًا أصيلًا من ثقافاتها، وإنما تأثر في بعض الحالات بالإرث الاستعماري.

يمكن لمجتمع أن يصل إلى الاعتراف بحقوق المثليين من خلال تحولات داخلية في نظرته إلى الإنسان والمساواة والأسرة والقانون، دون أن يكون ذلك نتيجة لتدخل سياسي غربي أو تبنٍّ كامل للنموذج الليبرالي الغربي.

وهنا ربما تكمن المفارقة الأكبر في الطريقة التي تُستخدم بها قضية المثليين سياسيًا اليوم. فبعض الحكومات تستخدم رفض حقوق المثليين لإثبات استقلالها عن الغرب، بينما تستخدم جهات أخرى حقوق المثليين لإثبات أن نظامًا سياسيًا معينًا متخلف أو غير شرعي. وفي الحالتين يصبح المثلي نفسه مجرد أداة في صراع سياسي أكبر منه.

لكن حقوق الإنسان لا تحتاج إلى أن تكون جزءًا من معسكر سياسي حتى تكون حقوقًا.

يمكن لدولة أن تختلف جذريًا مع الولايات المتحدة في سياستها الخارجية، وأن تكون اشتراكية أو شيوعية، وأن ترفض الكثير من القيم السياسية الغربية، ومع ذلك تصل إلى نتيجة بسيطة: المواطن المثلي إنسان، وبالتالي فإن حقوقه الأساسية لا ينبغي أن تتوقف على توجهه الجنسي.

وربما يكون هذا هو الدرس الأهم من تجربة كوبا وغيرها: الدفاع عن حقوق المثليين لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إعلان ولاء للغرب، كما أن رفضها لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إعلان استقلال عن الغرب.

حين تصبح حقوق الإنسان جزءًا من لعبة الاستقطاب السياسي، الخاسر الأكبر هم الفئات المهمشة.

 

مصادر

Office of the High Commissioner for Human Rights. (2023, October). UN expert calls for scrapping colonial laws and policies that marginalise LGBT people.

González, M. (2022, November 2). Cuba’s 2022 Family Code: A different model for social progress. Law & Inequality: A Journal of Theory and Practice.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

علق للحوار و ليس للجدال