عندما تُطرح نظرية مؤامرة، فليس المطلوب من المتلقي أن يثبت خطأها، بل يقع عبء إثبات صحتها على من يطرحها. فإثبات صحة الادعاء هو مسؤولية المدّعي، لا مسؤولية من يشكك فيه. أي البينة على المدعي.
تكاد هذه القاعدة المنطقية تنطبق على من يدّعي أن المثلية الجنسية مرض. فمن خلال قراءتي لتاريخ تصنيف المثلية كاضطراب نفسي، يتضح أنه بدأ كفرضية لا كحقيقة علمية مثبتة. وقد ساهمت عدة عوامل في ترسيخ هذه الفرضية؛ منها الجهل العلمي آنذاك بطبيعة الجنسانية البشرية، وهيمنة الإرث الديني والثقافي، و أقلية الاشخاص ذوي هذه الميول جعل الخروج عن النمط السائد يُفسر كخلل. إضافة إلى رغبة العلماء الشديدة في إخضاع السلوك الإنساني وتفسيره من منظور طبي وطبيعي. وتنامى هذا التوجه مع ظهور مدرسة التحليل النفسي.
جرت محاولات عديدة لإثبات هذه الفرضية، إلا أن الدراسات التي استندت إليها كانت تعاني من ضعف في منهجياتها العلمية، أو أن نتائجها لم تكن كافية لإثبات تلك النظريات. ومع ذلك، استمر بعض الباحثين في الإصرار على اعتبار المثلية مرضًا، حتى بدا هذا الموقف أقرب إلى العقيدة منه إلى الاستنتاج العلمي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الأفراد الذين أسسوا في الولايات المتحدة “الرابطة الوطنية لأبحاث وعلاج المثلية” (NARTH)، التي أُنشئت في تسعينيات القرن الماضي. خلال السنوات و تراجع الكثير عن تبني هذه الفرضيات البالية إلا أن هذه الجمعية ما زالت موجودة لكن باسم آخر. اثنين من مؤسسي هذه الرابطة توفي و حتى نهاية حياتهم كانا مصرين على التمسك بادعاءاتهم و و احد المؤسسين يكون تشارلز سوكاريدس.
تشارلز سوكاريدس
كان تشارلز سوكاريدس أحد مؤسسي الرابطة، وتُجسد قصته كيف يمكن أن تتحول فرضية علمية إلى عقيدة يصعب التخلي عنها. فقد ظل متمسكًا بموقفه حتى وفاته عام 2005.
كان سوكاريدس أحد أبرز الوجوه الإعلامية المدافعة عن فكرة مرضية المثلية في الولايات المتحدة خلال ستينيات القرن الماضي. ظهر في البرامج التلفزيونية، ونشر عددًا من الكتب حول الموضوع. وكان طبيبًا نفسيًا ينتمي إلى مدرسة التحليل النفسي، ويرى أن المثلية تنشأ في الأسر المفككة، حيث يكون الأب باردًا عاطفيًا، بينما تكون الأم شديدة التعلق بابنها.
لكن بعد سنوات، اعترف له ابنه ريتشارد، وهو في العشرينيات من عمره، بأنه مثلي. وعندما سُئل سوكاريدس عن سبب مثلية ابنه، أقرّ بأنه فشل في بناء علاقة قوية معه بسبب طلاقه من والدته عندما كان ريتشارد في السادسة من عمره. وبعد ذلك وسّع تفسيره لأسباب المثلية، فقال إن “شيئًا من هذا القبيل قد يحدث حتى في العائلات العظيمة، وليس فقط في العائلات المفككة”.
أما ابنه ريتشارد، فقد أصبح لاحقًا ناشطًا في الدفاع عن حقوق المثليين. وعندما سُئل عن والده، قال إنه كان أبًا دافئًا ومحبًا، وإنه رغم ابتعاده عنه بين السادسة والثالثة عشرة من عمره، فإنه ظل يشعر بمحبة والده له.
ورغم أن سوكاريدس كان من أبرز المروجين للعلاج التحويلي، ومارس هذا النوع من العلاج مع مراجعيه، وكان من مؤسسي الرابطة عام 1992، فإنه لم يعرض على ابنه يومًا أن يخضع لهذا العلاج.
وكان سوكاريدس قد صرّح في السابق بأن المثلية قد تؤدي إلى انهيار الحضارات، لكنه قال لاحقًا عن ابنه: “أحب ابني، وأعلم أنه يحبني. إنه محامٍ عظيم، وشخص مميز من كل ناحية. ولو ترشح لعضوية الكونغرس لصوتُّ له.”
يبدو أن سوكاريدس وجد صعوبة في التخلي عن الهوية التي صنعها لنفسه بوصفه أحد أبرز المدافعين عن العلاج التحويلي، حتى بعد أن أدرك أن الأفكار التي يروج لها تؤذي أقرب الناس إليه. وبسبب مواقفه المتشددة، لم تتطور العلاقة بين الأب والابن إلى قطيعة علنية، لكنها بقيت علاقة رسمية يغلب عليها التباعد.
ورغم وجود أشخاص على شاكلة سوكاريدس، فإن عددًا من المتخصصين غيّروا مواقفهم بعد مراجعة الأدلة العلمية. ولم يكن هذا التغيير يمر بهدوء، نظرًا إلى مكانتهم العلمية وتأثيرهم في المجال. ومن أبرز الأمثلة:
جيرالد دافيسون
يُعد عالم النفس جيرالد دافيسون واحدًا من أبرز الأسماء في علم النفس السريري في الولايات المتحدة. شغل منصب
أستاذ في جامعة USC Dornsife، وأسهم في تطوير العلاج المعرفي السلوكي، كما كان من الأصوات المؤثرة في تغيير النظرة الأخلاقية إلى الممارسة العلاجية. وقد منحت مكانته الأكاديمية مواقفه وزنًا كبيرًا، خصوصًا خلال سبعينيات القرن الماضي، عندما كان الجدل حول المثلية الجنسية في أوجه.في بداياته المهنية، كان دافيسون يرى أن من حق الأخصائي النفسي مساعدة المريض على تغيير ميوله الجنسية إذا طلب ذلك طوعًا. وكان يعتقد أن المعالج لا يفرض التغيير، بل يستجيب لرغبة المريض، وأن هذا الطلب يعكس اختيارًا شخصيًا. ولذلك حاول تطوير أساليب اعتقد أنها أكثر إنسانية من العلاجات القاسية، مثل العلاج بالنفور، فركّز على إعادة توجيه الرغبة الجنسية نحو النساء، بل أنتج فيلمًا وثائقيًا يشرح طريقته العلاجية.
لكن هذا المنطق انهار عام 1972 عندما حضر، مصادفة، ندوة قدّمها عالم النفس والناشط تشارلز سيلفرستين. وفي تلك الندوة، قال سيلفرستين ما أصبح نقطة تحول في حياة دافيسون المهنية:
“إن الزعم بأن الشخص يلجأ إلى العلاج طوعًا بهدف تغيير ميوله الجنسية هو تجاهلٌ للضغوط البيئية الهائلة، أو للاضطهاد إن شئت، الذي يلقنه لسنوات أنه ينبغي أن يتغيّر. فمن ينشأ في أسرة لا تُذكر فيها كلمة “شاذ ” إلا همسًا، ثم يكبر فيسمع في ساحة المدرسة أو الملعب أوصافًا مهينة مثل “خنيث” و”لوطي”، ثم يذهب إلى الكنيسة فيُقال له إن ما يشعر به “حرام”، وإلى الجامعة فيُقال له إنه “مرض”، ثم ينتهي به المطاف في مركزٍ للإرشاد النفسي يعده بـ”العلاج”؛ لا يمكن القول إن كل ذلك يوفّر بيئة تتيح له حرية الاختيار أو اتخاذ قرار مستقل. فالمثلي يُتوقَّع منه أصلًا أن يرغب في التغيير، ويُنظر إلى طلبه للعلاج، ضمينًا، على أنه أول خطوة نحو ما يُسمّى “السلوك الطبيعي”.
إن ما يدفع هؤلاء إلى دخول مراكز الإرشاد النفسي هو الشعور بالذنب، والخزي، والوحدة التي يفرضها عليهم اضطرارهم إلى إخفاء حقيقتهم. فإذا كنتم تريدون حقًا مساعدتهم على أن يختاروا بحرية، فأقترح أن تبدأوا أولًا بتخليصهم من الشعور بالذنب، وأن تتيحوا لهم التخلص من الخجل المرتبط برغباتهم وتصرفاتهم، وأن تساعدوهم على أن يشعروا بالارتياح تجاه ميولهم الجنسية. بعد ذلك فقط، اتركوا لهم حرية الاختيار، وليس قبل ذلك. لا أعرف أكثر منكم ما الذي ستكون عليه النتيجة، لكنني أعتقد أن قرارهم عندئذ سيكون أكثر حريةً واستقلالًا مما هو عليه الآن."
أدرك دافيسون أن “الطوعية” التي كان يبني عليها منطقه ليست حقيقية؛ فالأشخاص الذين يطلبون تغيير ميولهم لا يفعلون ذلك بدافع حر، بل تحت ضغط اجتماعي وديني وعائلي شديد يجعلهم يشعرون بأن عليهم التغيير لتجنب العار أو الذنب أو الرفض. وعندها توصّل إلى أن المعالج، حين يساعد المريض على التغيير، لا يدعم حرية شخصية، بل يشارك، من حيث لا يقصد، في تعزيز هذا الضغط.
بعد ذلك غيّر دافيسون موقفه جذريًا، وأعلن في خطاب تاريخي عام 1974 أن الأخصائي النفسي لا ينبغي له تقديم العلاج التحويلي، حتى لو طلبه المريض، لأن الطلب نفسه لا يعكس إرادة حرة، بل يعكس أثر بيئة قمعية تدفع الفرد إلى محاولة تغيير شيء لا يمكن تغييره. ومنذ ذلك الحين أصبح من أوائل الأصوات المهنية التي أكدت أن أي ممارسة علاجية تقوم على هذا الافتراض هي ممارسة غير أخلاقية وغير علمية.
وارن ثروكمورتون
في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، كان وارن ثروكمورتون من الأصوات التي اعتقدت أن العلاج التحويلي قد يكون خيارًا مناسبًا لبعض المتدينين الذين يرفضون هويتهم المثلية. لم يكن من دعاة الخطاب المتطرف، لكنه كان جزءًا من منظومة أكبر تروج لفكرة إمكانية تغيير المثلية عبر تعديل الأفكار أو معالجة “جذور نفسية” مفترضة.
تحدث مع أشخاص قالوا إنهم تغيروا، وصدّق رواياتهم، بل أنتج فيلمًا وثائقيًا عرض قصص خمسة منهم. وكان يظن أنه يقدم خدمة مهنية، ويفتح بابًا لمن يريد التوفيق بين إيمانه وهويته.
لكن الحقيقة لم تتأخر كثيرًا.
فقد اعترف أحد المشاركين في الفيلم، بعد انتهاء التصوير، بأنه لم يتغير. ولم يكن ذلك مجرد اعتراف فردي، بل كان الشرارة التي دفعته إلى إعادة النظر في كل ما كان يؤمن به.
عاد ثروكمورتون إلى الدراسات التي كان يعتمد عليها، وأعاد قراءتها بعين أكثر نقدًا. فاكتشف أن كثيرًا منها يعاني من مشكلات منهجية خطيرة، وأن بعضها يتضمن تلاعبًا بالبيانات، وأن “قصص النجاح” التي بُنيت عليها رواية العلاج التحويلي لم تكن متينة ولا قابلة للتكرار.
عندها اتخذ القرار الأصعب، فاعتذر علنًا. وأقر بأن الفيلم الوثائقي الذي أنتجه بُني على فرضيات غير صحيحة، وبدأ يكتب ضد العلاج التحويلي، ولا سيما “العلاج الإصلاحي” القائم على افتراض أن جذور المثلية تعود إلى خلل في العلاقة مع الوالد من الجنس نفسه.
روبرت سبيتزر
أثار الطبيب النفسي الأمريكي روبرت سبيتزر ضجة علمية وإعلامية واسعة عندما نشر عام 2003 دراسة ادعى فيها أن بعض المثليين تمكنوا من تغيير ميولهم الجنسية عبر ما يُعرف بالعلاج الإصلاحي أو العلاج التحويلي. وتكمن المفارقة في أن سبيتزر نفسه كان الشخصية المحورية التي قادت الجمعية الأمريكية للطب النفسي عام 1973 إلى إزالة المثلية من قائمة الاضطرابات النفسية. لكنه عاد بعد سنوات ليعلن أن دراسته كانت تعاني من أخطاء منهجية، وقدم اعتذارًا صريحًا للمجتمع المثلي.
بدأت القصة عام 2001 عندما قدم سبيتزر ورقة بحثية أمام الجمعية الأمريكية للطب النفسي، ثم نُشرت عام 2003 في مجلة Archives of Sexual Behavior. واعتمدت الدراسة على مقابلات هاتفية مع 200 شخص قالوا إنهم كانوا مثليين ثم تغيروا بعد العلاج.
ورغم أن الدراسة تعرضت لانتقادات علمية واسعة منذ نشرها، وأرفقت المجلة معها ستةً وعشرين تعليقًا نقديًا تناول ضعف منهجيتها، فإنها أصبحت من أكثر الدراسات استخدامًا من قبل جماعات العلاج التحويلي لتبرير ممارساتها.
تمثلت أبرز مشكلاتها المنهجية في نقطتين أساسيتين:
الاعتماد الكامل على التقارير الذاتية: كانت العينة مختارة ذاتيًا من أشخاص يؤمنون أصلًا بأنهم تغيروا. وتُعد التقارير الذاتية من أضعف أنواع الأدلة في هذا النوع من الأبحاث، لأنها لا تسمح بالتحقق من صحة الادعاءات.
غياب المجموعة الضابطة (Control Group): وجود مجموعة ضابطة شرط أساسي لمعرفة ما إذا كانت النتائج تعود إلى العلاج نفسه أم إلى عوامل أخرى، مثل الضغوط الدينية والاجتماعية، أو خداع الذات الناتج عن استثمار الوقت والمال في العلاج، أو الرغبة في تقديم إجابات مقبولة اجتماعيًا.
وفي عام 2012، وبعد نحو عشر سنوات من نشر الدراسة، أرسل سبيتزر رسالة إلى نفس المجلة يطلب فيها سحب بحثه، موضحًا أن سؤال البحث نفسه لا يمكن الإجابة عنه اعتمادًا على مقابلات هاتفية، لأن صدق المشاركين لا يمكن التحقق منه بهذه الطريقة.
وكتب في رسالته:
“أعتقد أنني أدين للمجتمع المثلي باعتذار لأن دراستي قدمت ادعاءات غير مثبتة حول فعالية العلاج الإصلاحي. أعتذر لكل شخص مثلي أضاع وقته وطاقته في هذا العلاج لأنه صدّق أنني أثبت نجاحه لدى بعض الأفراد.”
وتُعد قصة روبرت سبيتزر مثالًا واضحًا على الكيفية التي يمكن أن تُستغل بها دراسة ضعيفة منهجيًا لتبرير ممارسات مؤذية لسنوات، لكنها في الوقت نفسه تمثل نموذجًا لعالم امتلك الشجاعة للاعتراف بخطئه وتصحيح موقفه بما يتوافق مع أصول البحث العلمي.
ملاحظة: يضمن التعديل الأول للدستور الأمريكي لأي مجموعة حق التجمع وتشكيل الجمعيات واستخدام لغة أكاديمية لتأييد مواقفها. إلا أن هذا الحق الدستوري يحمي حرية التعبير والرأي فقط، ولا يمنح الجمعيات سلطة تقديم ممارسات علاجية أو طبية دون ترخيص قانوني معتمد يخضع لقوانين الصحة والسلامة العامة.
References
Davison, G. (2023). Gerald Davison changes course on LGBTQ rights. USC Dornsife. https://dornsife.usc.edu/news/stories/gerald-davison-changes-course-of-lgbtq-rights/
Socarides, R. (2011, June 22). Richard Socarides recalls coming out to his dad, one of the founders of conversion therapy. I’m From Driftwood. https://imfromdriftwood.com/story/richard-socarides-recalls-coming-out-to-my-dad-one-of-the-founders-of-conversion-therapy/
Owen, G. (2026, March 16). This psychologist was a key supporter of conversion therapy in the ’90s. He changed his mind. LGBTQ Nation. https://www.lgbtqnation.com/2026/03/this-psychologist-was-a-key-supporter-of-conversion-therapy-in-the-90s-he-changed-his-mind/
Spitzer, R. L. (2012). Letter to the editor and apology regarding the 2003 study on reparative therapy. https://www.sexuologickaspolecnost.cz/dokumenty/Spitzr_apology.pdf
Author of Controversial Study on Therapy to Change Sexual Orientation Apologizes. (2012). Psychology Today.
Vernacchia, M. (1999, July 11). His Public Domain, His Private Pain. The Washington Post. https://www.washingtonpost.com/archive/lifestyle/magazine/1999/07/11/his-public-domain-his-private-pain/dd3981f4-6afc-4a6c-b2d3-ce62c3ac873f/
White, R. (2005, December 31). Charles Socarides dies at 83; psychiatrist opposed homosexuality. Los Angeles Times. https://www.latimes.com/archives/la-xpm-2005-dec-31-me-socarides31-story.html
Davison, Gerald C. “Politics, Ethics, and Therapy for Homosexuality.” American Behavioral Scientist 25, no. 4 (March 1982): 423–434. https://doi.org/10.1177/000276482025004007.
Dunlap, D. W. (1995, December 24). An Analyst, a Father, Battles Homosexuality. The New York Times.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
علق للحوار و ليس للجدال