5/01/2014

حقائق علمية وتاريخية عن الإيدز والمثلية الجنسية

عندما كنت في المرحلة الثانوية، وصل بنا منهج الأحياء إلى درس الأمراض المنقولة جنسياً، وكان من بينها مرض الإيدز. أتذكر حينها أن المدرس قال للطلاب ما معناه: «أتمنى ألا يجدوا علاجاً للإيدز، فالرجال الذين يمارسون الجنس مع بعضهم يستحقون ذلك».

كانت تلك المرة الأولى التي يُذكر فيها الإيدز في محيطي الاجتماعي، سبقتها معرفة تكونت عبر التلفزيون العربي؛ أتذكر ذكر إصابة إحدى شخصيات المسلسل الكويتي «جرح الزمن» بالمرض عن طريق الجنس، ثم بعده شاهدت جزأي المسلسل السوري: «حاجز الصمت» وتبعه «الخطر الأحمر»، اللذين تم تخصيصهما بالكامل للحديث عن الإصابة بالفيروس. صورت هذه المسلسلات الإصابة بالفيروس كنهاية حتمية للحياة، وأن الضحايا يتم عزلهم طبياً لينتظروا الموت. ترك هذا التصوير أثراً ونفسياً انطبع في ذاكرتي.

لكنني تعرضت لصدمة حقيقية بعد انتقالي للعيش في الولايات المتحدة؛ إذ أدركت أن الإصابة بالفيروس لم تعد إعلاناً بالوفاة منذ زمن طويل، وأن الواقع يختلف تماماً عما عرضته تلك المسلسلات. قابلت هناك رجلاً أصيب بالفيروس منذ بداية التسعينيات (أكثر من عشرين عاماً)، ويعيش حياة طبيعية ونشطة لا تختلف عن أي شخص معافى. طوال هذه السنوات لم يمنعه مرضه من تكوين علاقات، وعندما قابلته لأول مرة كان في علاقة مستقرة مع رجل آخر لـ 12 سنة. أدركت حينها أن فكرة "عزل المريض اجتماعياً" هي أقرب للخيال منها للواقع الطبّي.

مع الأسف، العبارة التي سمعتها من معلمي في الثانوية ما زال البعض يستخدمها حتى اليوم لتبرير قمع المثليين، بحجة أن الإصابة بالفيروس هي عقوبة طبيعية للمثلية، وأن انتشاره بينهم دليل على أن العلاقات بين الرجال هي السبب المباشر للمرض. لكن هذا الطرح خاطئ تماماً علمياً وتاريخياً.

وقبل الخوض في التفاصيل، من المهم التمييز بين مصطلحين يخلط بينهما الكثيرون:

  • فيروس نقص المناعة البشرية (HIV): وهو الفيروس المسبب للعدوى.

  • متلازمة نقص المناعة المكتسب (الإيدز): وهي المرحلة المتقدمة من العدوى عند تلف الجهاز المناعي نتيجة غياب العلاج.

ومع توفر العلاج الحديث، يستطيع المصاب بالفيروس أن يعيش حياة طويلة، كما يمنع العلاج وصول العدوى إلى مرحلة الإيدز.


هل الفيروس مرض خاص بالمثليين؟

قطعاً لا. الفيروس كائن بيولوجي لا يعرف التوجه الجنسي، بل ينتقل عند التعرض لسوائل جسم تحتوي عليه؛ سواء عبر بعض الممارسات الجنسية، أو مشاركة الإبر والمحاقن الملوثة، أو من الأم إلى طفلها أثناء الحمل والولادة والرضاعة.

صحيح أن الجنس الشرجي هو أكثر الممارسات خطورة فيما يتعلق بنقل الفيروس (وخصوصاً للطرف المستقبل) لأن أنسجة المستقيم أكثر عرضة لدخول الفيروس، إلا أن هذه حقيقة بيولوجية تتعلق بـ "طبيعة الممارسة" وليس بـ "التوجه الجنسي". فالجنس الشرجي قد يحدث بين رجلين أو بين رجل وامرأة، كما أن ممارسته لا تعني حتمية الإصابة.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين"عامل يزيد احتمال الإصابة" و" سبب حتمي لها"؛ فنقل العدوى يخضع لمتغيرات متعددة (مثل نوع الممارسة، استخدام الواقي الذكري، مستوى الفيروس لدى المصاب، أو تناول الدواء الوقائي PrEP). لذلك فإن القول إن «الجنس بين الرجال يسبب الإيدز» هو اختزال لعملية وبائية وطبية أكثر تعقيداً.

لماذا ارتبط المرض بالمثليين في بداياته؟

في عام 1981، سجلت السلطات الصحية الأمريكية حالات غير معتادة لأمراض نادرة لدى رجال مثليين. اتضح لاحقاً أن السبب لم يكن مرضاً خاصاً بالمثليين، بل نتيجة فيروس جديد لم يكن الأطباء يعرفونه آنذاك. وتعود أسباب انتشاره في تلك الدوائر إلى طبيعة بعض الممارسات (كالجنس الشرجي) وغياب الفحوصات والعلاجات و عدم شياع استخدام الوسائل الوقائية في ذلك الوقت.

أي أن المسألة كانت وبائية وليست أخلاقية. فالأوبئة لا تحتاج إلى أن تكون حصرية بفئة معينة كي تنتشر فيها؛ بل يكفي توفر ظروف تجعل انتقال الفيروس أكثر احتمالاً داخل تلك الدائرة.

الفيروس لم يظهر في مجتمع المثليين

تؤكد التحليلات الجينية والتاريخية أن السلالة الرئيسية المسؤولة عن الجائحة (HIV-1\group M}) تعود جذورها إلى انتقال فيروس من القردة إلى البشر في وسط إفريقيا خلال النصف الأول من القرن العشرين (نحو عشرينيات القرن الماضي). هذا يعني أن الفيروس كان ينتشر بين البشر قبل عقود طويلة من اكتشاف الحالات الأولى في الولايات المتحدة، والخلط بين "وقت ظهور الفيروس" و"وقت اكتشافه طبياً" هو ما أوجد هذه المغالطة.

الدروس المستفادة من تاريخ الأوبئة

يمكن رؤية هذا اللبس في تاريخ مرض الكوليرا في القرن التاسع عشر؛ فعندما ضربت المدن الأوروبية والأمريكية، كان الفقراء والمهاجرون الأكثر تضرراً، وظهرت تفسيرات تربط المرض بالفقر و«القذارة» والسلوك الأخلاقي. لكن تطور علم الأوبئة أثبت أن السؤال الصحيح لم يكن: "ما العيب الأخلاقي في هؤلاء الناس؟"، بل: "كيف ينتقل المرض عبر المياه الملوثة والاكتظاظ؟".

ينطبق الأمر ذاته على فيروس نقص المناعة؛ فالوصمة الاجتماعية والتمييز لا يقدمان تفسيراً علمياً للوباء، بل يعيقان الصحة العامة بتخويف الناس من الفحص والعلاج. والوقاية هي مسؤولية مشتركة: فرد يتخذ قرارات واعية بأساليب الوقاية، ومجتمع يوفر الظروف والمعرفة الصحية دون إدانة.

كيف تغير الوضع اليوم؟

شهد الطب تحولات هائلة؛ إذ يتوفر اليوم العلاج الوقائي قبل التعرض (PrEP) الذي يقلل خطر الإصابة جنسياً بنحو 99%. كما أثبت الطب مفهوم (U=U) (غير قابل للكشف = غير قابل للانتقال)، فالشخص المصاب الذي يتلقى العلاج وتصبح الحمولة الفيروسية في دمه غير قابلة للكشف لا ينقل الفيروس لشركائه جنسياً.

خاتمة

يعيدنا التطور الطبي دائماً إلى الحقيقة الأساسية: (HIV) مجرد فيروس، وليس حكماً أخلاقياً.

قد تكون بعض الممارسات أكثر خطورة من غيرها، وللفرد والمجتمع أدوار متبادلة في الوقاية؛ لكن لا شيء من ذلك يثبت أن المثلية سبب لظهور الفيروس، ولا أن الإصابة به عقوبة إلهية، ولا أن الانتشار الوبائي في فترة تاريخية داخل مجموعة معينة يمنح المجتمع الحق في اضطهادها. العلم يشرح كيف ينتشر المرض لنمنعه؛ أما تحويل المرض إلى مبرر لاضطهاد البشر، فذلك استخدام اجتماعي وأخلاقي لا يمت للطب بصلة.


ريتشارد و جون علاقة دامت أكثر من ٦٠ سنة :
لو كان مصير المثلية الايدز لكن هذان الشخصان أموات فهم عاشوا وباء الايدز في عزه 

المصادر 


  1. “A Poor Man’s Plague: Disease and Inequality.” Anthropology 7: The Values of Medicine, Dartmouth College, Winter 2021. https://course-exhibits.library.dartmouth.edu/s/anthro7/page/cholerainequality⁠
  2. Catton, Bruce. “Poverty and Cholera.” American Heritage, vol. 14, no. 2, February 1963. https://www.americanheritage.com/poverty-and-cholera⁠
Tuite AR, Chan CH, Fisman DN. Cholera, canals, and contagion: Rediscovering Dr. Beck's report. J Public Health Policy. 2011 Aug;32(3):320-33. doi: 10.1057/jphp.2011.20. Epub 2011 May 5. PMID: 21544099.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

علق للحوار و ليس للجدال